ارتفاع الطلب ونقص المعروض يثير القلق العالمي حول النحاس
عاد النحاس ليكون محور قلق الأسواق العالمية، حيث يُعتبر المعدن الذي قد يحدد ملامح النمو الاقتصادي في العقد المقبل. ويأتي ذلك في ظل فجوة متزايدة بين الطلب المتسارع تاريخيًا والإمدادات التي تعجز عن تلبيته، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة بلومبيرج.
التحديات الإنتاجية في قطاع النحاس
أوضحت بلومبيرج أن القطاع يعاني من اضطرابات إنتاجية وصعوبات هيكلية تتعلق بفتح مناجم جديدة أو توسيع المناجم الحالية. يُعتبر النحاس عنصرًا أساسيًا في تصنيع الأجهزة الكهربائية، بدءًا من الهواتف والثلاجات، وصولًا إلى السيارات الكهربائية وشبكات الطاقة. كما يلعب دورًا محوريًا في تقنيات خفض الانبعاثات ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ارتفاع الأسعار بسبب المخاوف التجارية
ذكرت الوكالة أن المخاوف من احتمال فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية على المنتجات النحاسية المكررة أدت إلى زيادة التخزين داخل الولايات المتحدة، مما أدي لاستنزاف المخزونات عالميًا. وقد دفعت هذه العوامل أسعار النحاس لتصل إلى مستويات قياسية تجاوزت 13 ألف دولار للطن في بورصة لندن للمعادن حتى 6 يناير 2026، بالتزامن مع اضطرابات إنتاجية في دول مثل تشيلي وإندونيسيا.
توقعات الطلب ونمو الاستهلاك
أشارت بلومبيرج إلى أن الطلب على النحاس قد يتأثر على المدى القصير بتباطؤ الاقتصاد الصيني، نتيجة ركود سوق العقارات وضعف إنفاق المستهلكين. ومع ذلك، تتوقع التقديرات على المدى الطويل زيادة الاستهلاك العالمي بأكثر من الثلث بحلول عام 2035، مدفوعًا بالطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وتحديث شبكات الكهرباء.
احتياجات السيارات الكهربائية ومراكز البيانات
ذكرت الوكالة أن السيارات الكهربائية تتطلب أكثر من ثلاثة أضعاف الكمية النحاسية المستخدمة في المركبات التقليدية. بينما قد تحتاج مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى ما يصل إلى أربعة أضعاف النحاس عند مقارنتها بالمرافق التقليدية.
حذر من عجز هيكلي في السوق
حذرت بلومبيرج من أن السوق قد يشهد عجزًا هيكليًا خلال العقد المقبل نتيجة نكسات أصابت مناجم كبرى في عام 2025، والتي شملت فيضانات في الكونغو الديمقراطية، وانهيارات أرضية في تشيلي، وانزلاقات طينية في إندونيسيا. هذه الأحداث زادت من الضغوط على المصاهر، خصوصًا في الصين، حيث توسعت طاقات الصهر بشكل أسرع من نمو الإنتاج المنجمي، مما أدى إلى ضعف الهوامش.
عوائق زيادة الإمدادات
أشارت بلومبيرج إلى أن زيادة الإمدادات تواجه عقبات كبيرة، حيث تتردد شركات التعدين في ضخ استثمارات ضخمة خوفًا من تقلبات الطلب. كما يؤدي تراجع جودة الخامات إلى ارتفاع التكاليف، بينما لا يزال اكتشاف الرواسب الكبرى بطيئًا، إذ تم اكتشاف 14 مكمنًا فقط خلال العقد الماضي، ويستغرق المتوسط من الاكتشاف إلى الإنتاج أكثر من 15 عامًا.
الاتجاه نحو الاندماجات في صناعة التعدين
لفتت بلومبيرج إلى توجه شركات التعدين نحو الاندماجات، مثل الصفقة المرتقبة بين “أنغلو أميركان” و”تيك ريسورسيز” لتشكيل عملاق تعدين بقيمة 50 مليار دولار. يُركز نصف إنتاج النحاس المنجمي العالمي في دول مثل تشيلي والكونغو وبيرو، بينما تهيمن الصين على أكثر من 40% من إنتاج النحاس المكرر عالميًا، رغم احتياطياتها المحدودة نسبيًا. هذا الوضع أثار قلق الولايات المتحدة وحلفائها ودفعهم للبحث عن بدائل في دول ذات علاقات سياسية أقرب.
الخلاصة
ختمت بلومبيرج تقريرها بالتأكيد على أن العالم يواجه معادلة معقدة بين طلب متزايد driven by الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، ومعروض محدود بسبب عوامل جيولوجية وبيئية وجيوسياسية. مما يجعل النحاس أحد أكثر المعادن حساسية في الاقتصاد العالمي في السنوات القادمة.